حيدر حب الله

233

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

التعديل مطلقاً دون الجرح هو الأحوط ؛ لأنّه أحفظ للحقوق « 1 » . وبرّر ذلك بأنّ مطلق الجرح يسقط الثقة بخلاف مطلق التوثيق فلا يفيدها ، لتسارع بناء الناس على الظاهر « 2 » . وما يورد به على هذا الاتجاه هو عين ما أورد به على سابقه ، بل لعلّه هنا أوضح . لكن عنصر الوثوق الذي أقحمه بعض المستدلّين هنا مهمّ ، وهو يغاير عنصر حجية البيّنة حجيّةً تعبّدية ، فإذا قلنا بأنّ إخبار الثقة نأخذ به تعبّداً ، وكذلك شهادة البيّنة ، لم يكن لهذا التفصيل معنى هنا كما تقدّم ، أمّا لو قلنا بأنّ إخبار الثقة وشهادة البيّنة مشروطان بحصول الوثوق منهما أو الظنّ القويّ بمفادهما ، ففي هذه الحال يكون المعيار هو حالة الظنّ القائمة في النفس بعد سماع الشهادة ، فإذا شهد له بالعدالة فمن الصعب تحصيل الوثوق إذا احتملنا احتمالًا حقيقيّاً أنّ الشاهد انطلق من مجرّد الانطباع العام والتسامح أو كان متساهلًا في مذهبه في المحرّمات بحيث يراها جائزة ، أو من أصالة العدالة ، أو من حسن الظاهر مع عدم قبولنا بنظريّتي أصالة العدالة وحسن الظاهر ، بينما جرح الجارح من دون تفسير يطرح احتمال تطابقه مع رأينا في المفهوم والمصداق ، مما قد يؤثر في بعض الأحيان على درجة وثوقنا ، فمعياريّة الوثوق هنا قد تساعد على هذا التفصيل ، بخلاف تعبّدية الحجيّة في بابَي الخبر والشهادة ، فتأمّل جيداً . الاتجاه الخامس : التفصيل بين كون الجارح والمعدّل عالماً بالمعايير وبوجود اختلافات في أسباب الجرح ومعاني العدالة وغير ذلك ، ومن ثمّ فهو يعرف مبانينا في الموضوع ، ففي هذه الحال يكتفى منه بالإطلاق في الجرح والتعديل معاً ، بخلاف غيرها ، فلابدّ من التفسير ؛ للأسباب المتقدّمة التي طالبت بالتفسير وبيان السبب .

--> ( 1 ) انظر : مختلف الشيعة 8 : 425 . ( 2 ) انظر : الغزالي ، المستصفى : 129 ؛ والرازي ، المحصول 4 : 409 - 410 ؛ والزركشي ، البحر المحيط 3 : 352 .